II
مَن هم؟


عظمة الحياة الرهبانية

إنَّ الحياة المكرسة تقع في قلب الكنيسة، وهي جزء لا يتجزأ من رسالتها، وذلك بأنها تجعلنا نفهم الدعوة المسيحيّة في صميم طبيعتها
1 . و"كعروسٍ مزينةٍ لعريسها" (رؤيا 21/2)، متّبعين المسيح البتول والفقير على أنه الضروري الأوحد. وفي بحثٍ متّقد عن الله، في رهبة وحبّ، "وجد الرهبان والراهبات في قراءة لاهوتيّة للكتاب المقدّس، منبع حياتهم الروحيّة ومصدرها، فاستندوا إليها ولبّوا الدعوة الشخصيّة إلى اتّباع المسيح المطيع والبتول والفقير، والتتلمذ له والسعي إلى الإقتداء به، مشتركين في مصيره. لقد انتهجوا نهجَه في الخلوة والصلاة على الجبل أوّلاً، ثمّ في إحياء روابط الأخوّة لحمل رسالة تفرضها ديناميّة العلاقة به وثمرتها، والشعور بضرورة إيصالها إلى الآخرين وتجسيدها معهم وبينهم"2.

الحياة الرهبانية المزدوجة

ولما أصبح في نيَّة المؤسّس التركيز على المبادئ التي على أساسها قامت الحياة الرهبانيَّة الشرقية في نشأتها، في إزدواجية الحياة النسكية - الرسوليَّة، على ما "يَشهد الكُتّاب أنّ رهبان دير القديس مارون لم يكونوا يَقتصِرون على النسك فقط، بل كانوا يباشرون الرسالة والإهتمام بخلاص الآخرين أيضاً"
3 ، وعيش المشورات الإنجيليَّة والنذورات الرهبانيَّة بفقر إنجيليّ جذريّ، والإتّكال المطلق على العناية الإلهيَّة؛ فكانت رهبانيَّتا "إخوة الصليب" و"أخوات يسوع المصلوب" من قلب مريم الطاهر.

الإسم

أ- "إخوة" و"أخوات"
تؤكّد هذه التسميّة للرهبانيَّتين على إختيارهم لعيش البساطة كعائلة واحدة دون تمييز في الدرجة المقدسة او العلم او المسؤولية او السلطة. ويَعملون بغَيرةٍ على النُصح الأخوي وقبوله بعضهم من بعض، وكالمسيح "الذي إذ هو في صورة الله، لم يَكن يَعدّ مساواته لله إختلاساً، لكنه أخلى ذاته آخذاً صورة عبدٍ" (في2/6-7).

ب- يسوع

سُمِّيَت رهبانيَّة الأخوات على الإسم القدوس، لأنّهنَّ لأجله تركنَ كل شيء وتبِعنَه، فهو "الكلمة الذي صار جسداً"(يو 1/14) عمّانوئيل، والمُستحق لإسمه السجود.

ج- الصليب والمصلوب
لقد أضافت الرهبانيَّتان إلى النذور الثلاثة المعروفة (الفقر العفّة الطاعة) نذرَين آخرَين هما: التواضع والألم، لأجل إختيار الأقرب الى يسوع المصلوب، وللشراكة في سر الفداء، مشاركين المعوَزين حُرمانهم من العيش اللائق الكريم.

د- "من قلب مريم الطاهر"
فهم يعملون ويُقدمون كل شيء على يدها وبواسطتها وتكريماً لها، للآب الأزلي بإستحقاقات الإبن الفادي وبواسطة روحهما القدوس. بل يَضعون كل حياتهم وتكرُّسهم وعباداتهم وأعمالهم النسكية والرسولية بحسب نوايا قلبها البريء من الدَنَس.

الغاية والضرورة

إنَّ ما يَهدف إليه رهبان "إخوة الصليب" وراهبات "أخوات يسوع المصلوب" من قلب مريم الطاهر في ميزتهم الخاصة، ويَعتبرونه من جوهر دعوتهم هو، الشهادة الإنجيليّة المُعاشة دون التركيز على النتيجة، من خدمات إجتماعيَّة تُعتبر ثانويّة بالنسبة لدعوتهم الخاصّة، فما يلتزمون به هو:

1 ً- أهميّة الغاية

حيث يَتبعون المسيح عن كثب، "نحن جميعاً نعكس صورة مجد الربّ بوجوه مكشوفة"(2 كور3/18)، لأنّ دافع وهدف حياتهم كلـّها، هو عمل مشيئة الله والسعي الحثيث إلى الكمال والقداسة دون ملل، والشوق لعيش أعظم الوصايا في الإتحاد بالله ومحبّته "من كل قلبك وفكرك وقدرتك وذهنك، وأن تُحبَّ قريبك (حتى عدوك كالسامري) كنفسك" (مر 12/30-31).

2 ً- الدعوة إلى بثّ روح الإيمان، والثقة بالعناية الإلهيّة

 من خلال نمط حياتهم الخاص ومعيشتهم اليوميّة، من عدم التملك وعدم التأمين بكل أنواعه كالفقراء المحرومين، وعيش حياة الفقر والبساطة.

3 ً- التفكير بحكمة الله، وإخضاع العقل للإيمان

 لأنَّ "حكمة هذا العالم هي عند الله جهالةٌ" (1 كور 3/19). وإعتبار كل شيء يأتينا في يومنا مهما كان صعباً ومؤذياً من الشيطان بسماح من الله كأيوب (أي1\21)، ومن البشر كبيلاطوس وقيافا ويهوذا، على أنه: "كأس الربّ"(1كور10/20).

1- البابا يوحنا بولس الثاني، الحياة المكرسة، 25 آذار 1996، فقرة 3.
2- المجمع الماروني، نص 8، فقرة 24.
3- المجمع الماروني، المرجع السابق، فقرة 3.