III
في مسيرة الرهبانيَّتين منذ التأسيس إلى اليوم


1- النشأة


1 ً- النواة الأولى (1985-1987)

أخَذ بعض الشبّان الغيورون الذين لم يَجدوا دعوتهم الخاصة في الرهبانيّات القائمة، يلتقون معًا بداية سنة 1985 في بلدة "دير الأحمر" البقاعية، حيث بَنوا برضى سيادة المطران "رولان أبو جودة" السامي الإحترام، "كابيلا" للصلاة والخلوة التي تحوَّلت الى دير صغير على إسم "الصليب"، وقد ساعدهم في بنائه بمحبة وسخاء كبيرين أهالي البلدة الكرام.

 ولمّا أصبح عدد الإخوة الأولون ستة، اتفقوا خطيّاً على الروحانيَّة التي سيعيشونها سوياً في حياتهم الرهبانيّة الجديدة. ووضعوا معاً القوانين الأوَّليَّة وقدَّموها إلى السلطة الكنسيّة فعاشوا معاً حياة الخلوة والرسالة، كما عاشها الرب "يسوع" في أيامه على الأرض مع رسله القديسين.

المرشد الأول:

 الأب "بطرس مُنصف" الراهب اللبناني الماروني هو أحد الآباء المُميزين في عصرهم، وقد كرَّس حياته للمسيح على يد العذراء مريم في الحياة الرهبانيَّة، وكان مثالاً في التجرد والغَيرة على خلاص النفوس، ولأننا كنا نسمع البعض من المكرسين ينتقدونه على طريقته القاسية، ويتهمونه بأنه غير مطيع للسلطة الرهبانية وهذا ما لا نقبله في مرشدٍ نختاره لنا، لكن عند زيارته الى الرئاسة العامة كنا نرافقه دائماً، فنتأكد من طاعته لها من خلال الحوار الذي كان يدور مع كل أباتي يتعاقب على الرهبانية، فإنه يفرحون بحضوره وزيارته، وكم منهم يَطلبون صلاته أمامنا مُعتبرينه قديس الرهبانيَّة، مُعترفين بجرأته وغيرته النارية على قداسة الرهبانية وخلاص النفوس، وكان يُقدِّم المال الذي يقبله من حسنات القداسات الى الرهبانيَّة بحضور الرئيس العام أمام أعيننا، مع أن ما يُقدمه له المحسنون من المال كان يوزعه على الفقراء والأرامل ولم نره يوماً خصَّص لنفسه شيئاً منه. ومن شدة غيرته كان يجذب بمواعظه النفوس الأكثر قساوة الى التوبة وكرسي الإعتراف، وآخرين الى الدعوة المكرَّسة، وقد أسس الكثير من الأخويات في الكثير من القرى، حتى وصلت رسالته الى سوريا، وقد أخبر عنه الكثير من الناس وفي كل قرية مرَّ فيها عن العجائب التي كانت تحدث بشفاعته. وكان له الفضل الكبير في تأسيس رهبانيَّة إخوة الصليب المعاصرة، وطبع فيها روحانيَّة آباء الروح، كالقديس أنطونيوس ومار باخوميوس ومار أفرام السرياني، ومار شربل والقديسة رفقة....

 أما الإخوة والأخوات فقد كانوا يرافقون مراراً الأب "بطرس مُنصف" الراهب اللبناني الماروني في جولاته في القرى اللبنانية وزياراته الفقراء والمرضى والبيوت، وقد إستفاد الإخوة كثيراً من إيمانه الراسخ، وتعاليمه وفق العقيدة الكنسيَّة الصحيحة، ولم يَجِدوا مثل غَيْرته على الكنيسة وخلاص النفوس وشهادة إيمانه، سوى لدى القديسين الذين نقرأ عنهم في حياتهم الغريبة، والتي لم تكن مقبولة في زمانهم، ومنهم القديس يوحنا المعمدان. ولقد كان الأب بطرس بمثابة الصخرة التي إجتمع حولها إخوة الصليب وأخوات يسوع المصلوب في منطقة دير الأحمر، ولولاه حسب ظني لما كانت هذه الرهبانيّتين، لأنَّ له الفضل الكبير في لقاء الدعوات المكرَّسة لهما ولباقي الرهبنات، ويشهد على ذلك الكثير من الإكليروس، لأن التجرد والسيرة الحسنة تجذب الكثير من الدعوات القوية.

2 ً- فترة رعاية سيادة المطران "جورج أبي صابر" السامي الإحترام النائب البطريركي (1985-1989)

زار هؤلاء الإخوة الأولون برفقة الأب "منصف" المطران "أبي صابر" لإطلاعه على منهج حياتهم ورسالتهم، فطلب منهم القيام بخلوة لمدة ثلاثة أشهر، لتوسيع القانون بشكل تتمكَّن فيه الكنيسة وغبطة البطريرك من التعرّف عليهم. ثمّ أطلعوه على إختيارهم الأبِ بطرس المذكور كمرشدٍ عامٍ لهم، فبارك سيادته تلك الخطوة ودعاهُ إلى متابعتهم والسهر عليهم. وبعد أن قاموا بتلك الخلوة وجدّدوا فيها قانونهم، زاروا سيادته مُقدّمين له نسخة عن القانون، فقرأها وسُرَّ بها جداً. .

3 ً- فترة رعاية المثلث الرحمات سيادة المطران "فيليب شبيعة" (1989-1995)

قام بمُتابعة الإخوة والأخوات عن كثب، فأحبّهم كثيراً، مُنشّئاً إيّاهم طوال أربع سنوات على التعليم المسيحي والعقيدة الكاثوليكية، وغالباً ما كان يَصطحِبهم في زياراته، وقد أثنى سيادته على الإخوة في عيشهم الفقر، الذي يشجّع الناس على القناعة؛ خاصةً الفقراء منهم، كما على رسالتهم المؤثرة في تجوالهم في الشوارع وزياراتهم البيوت على مثال الرب يسوع ورسله، فهي بمثابة تعزية للعائلات والمرضى. وكان يمدح ويَفرح كثيراً بثوبهم المرقّّع، معبّراً عنه أنه الأجمل بين الأثواب جميعها، وسَيَلمع في السماء أكثر من غيره.

وكعمّال عاديِّين، ساهَمَ الإخوة والأخوات في بناء ديرٍ للأخوات، حيث سكَنَّ فيه سنة 1990عائشات حياة ديريّة مُشترَكة مُنفتِحة على الرسالة. وقبل إنتهاء مدّة ولايته، عيّنَ سيادته الراهبة الأخت "لويز- تريز" (من راهبات العائلة المقدسة) لمساعدة الأخوات.

4 ً- فترة رعاية سيادة المطران "بولس منجد الهاشم" السامي الإحترام (1995-1996)


لدى إستلام سيادته المهام في الأبرشية، ومعرفته بإنقسام الإخوة إلى فئتين كلٌّ بقانون وروحانيَّة خاصة، دعاهم (في ت1 \ 1995) بمحاولة منه لتوحيدهم. وبعد أن مكثوا معاً حوالي سبعة أشهر بطلبٍ منه، قدَّمَت كل من الفئتين لسيادته قانونها الخاص، فقال: "سأدرس القانونَين، فإذا كانت الفروقات بسيطة أجمعُهما في قانون واحد؛ أمّا إذا كانت جوهريّة، فتذهب كل جماعة إلى أحد الأُساقفة؛ وأنا سأقبَل مَن كان له ميزة عن باقي الرهبنات ومن لا ميزة له فأدعوه للإنضمام الى الرهبنيات الموجودة؛ لأنّ الكنيسة لا تقبل بإنشاء رهبنة لا ميزة لها عن غيرها.

أما بخصوص الروحانيَّة التي يتمسَّك بها عماد (الأخ روفائيل) والتي قام بتوسيعها في القوانين، لا يوجد روحانيَّة جذريةَّ مثلها. وأعرف أنّه لا يتمسّك بأمور بسيطة عندما ندرس الموضوع بشموليَّته".
 
وتجدُر الإشارة أنّ لا علاقة لسيادة المطران الهاشم بإنقسام الجماعة لا من قريب ولا من بعيد لأنّه حين وصوله الى الأبرشية وجد الإخوة منقسمين الى فئتين.

توضيح

وفي ختام دراسته لموضوع الإخوة، وبعد أن بقي كل من الفئتين مُصِرّاً على القوانين التي إختارها، أعلن سيادته: "ما دامت هناك فروقات جوهرية، فالأفضل أن تكون كلّ فئة في أبرشية، وأنا مستعد لقبول الفئة ذات الميزة الخاصة عن باقي الرهبنات بعد ثلاثة أشهر". حينها وتلبيةً لرغبة الأخ روفائيل، غادرت الفئة المُحافِظَة أبرشية دير الأحمر، في شهر حزيران 1996، بعد حصولها على شهادة خطيّة من سيادة المطران الهاشم كوثيقة تبعَث بالإطمئنان لمصداقيّة الجماعة وتؤكّد أنّه لا مأخذ عليها لا سيّما فيما يتعلّق بطاعتهم للكنيسة.

وقد حافظ الأخ روفائيل على الأسم التقليدي للجماعة والتي ما زالت معروفةً به وهو "إخوة الصليب"، دون إعتراض أيّ أحد من الإخوة الأولين، لأنهم أرادوا تغيير الإسم المذكور منذ سنة 1995 لكن الأخ روفائيل لم يوافق حينها على تغيير الإسم للرهبانية الجديدة لأسباب عديدة. لذلك فجميع الشهادات التي قَدَّمها الأساقفة والمرشدين لهم كانت بحسب الإسم التقليدي المعروفين به منذ 1985 حتى 2008 .

2- الإنطلاقة الجديدة


1 ً- فترة رعاية سيادة المطران "شكرالله حرب" السامي الإحترام (1996 1999)


قاد الروح القدس الإخوة والأخوات الذين تركوا أبرشية دير الأحمر إلى سيادة المطران "شكر الله حرب" السامي الإحترام راعي أبرشية جونيه المارونية، وكان لدى سيادته الحب الأبوي الكبير ومُتّسع من الوقت لإختبارهم ورعايتهم عن كثب. فكانت الإنطلاقة الجديدة مع الأخ روفائيل الذي بقي من الإخوة الأوّلين الستّة يُتابع النهج الذي بدأه في إخوة الصليب. وقد عيَّن سيادته الآباتي "أتناسيوس الجلخ"، النائب العام للرهبنة اللبنانيّة المارونية حينها مُرشداً لهم، فتابعهم لمدّة تزيد على السنتين، مهتماً بتنشئتهم حول الحياة الرهبانيّة الشرقيّة إلى أن تمّ إنتخابه رئيساً عاماً على رهبانيّته.

مجيء الأب الإيطالي "كوستنزو كارنيوني" الراهب الكبوشي لإقامة رياضة روحيّة للإخوة والأخوات.
زار السلطات الكنسية شارحاً لها دوافع مجيئه متحدثاً عن الأهمية المسكونية لهذه الجماعة الرهبانيَّة التي تجمع في قانونها الروحانيَّة الفرنسيسيّة الغربية والمارونيّة الشرقية، وعن طاعتها وإحترامِها الكاملََين للكنيسة الكاثوليكية، ولقداسة البابا والأساقفة وللتعليم الرسمي. فزار راعيهم وحاضِنِهم المطران "حرب"، وقد لمَس محبته الكبيرة لهم ودفاعِه عنهم كالأم لأبنائها، بحيث أنه وافق على قانونهم، وهو يسعى لكي توافق عليه الكنيسة. كما الآباتي "الجلخ" الزائر الكنسي الرسمي لديهم، الذي أبدى الكثير من التفهم والإنفتاح والدفاع عن روحانيتهم الجذريَّة.
وقد وعد أسقف أبرشية طرابلس المثلث الرحمات المطران "يوحنا فؤاد الحاج" الأب كوستنزو على أن يقوم بإهتمام كبير لتوضيح الأمور أمام الأساقفة.

وفي زيارته للسفير البابوي عرض أن يتحلّوا بالصبر والتأصل بالروح، منظمين كل الوسائل الضرورية لحياة رهبانية حسب القوانين الكنسية، حاثاً الأسقف "حرب" الذي رافقهم بأن يَجتهد حتى بعد انتهاء مدة خدمته، على خلق تعاطف وارتياح لدى الأساقفة الآخرين حول هاتين الرهبانيَّتين الجديدتين.

وعند زيارته للمطران "الهاشم" الذي صرَّح سيادته عن جذريَّة الحياة الرهبانية في الفريق الذي يقوده الأخ روفائيل، وكان قد ذكر في مناسبة أحد الإجتماعات السابقة أمام الإخوة إنَّ الروحانيَّة التي يتمسَّك بها الأخ روفائيل والتي قام بتوسيعها في القوانين لا يوجد روحانيَّة جذريَّة مثلها، وبأنه قد زوّده بإفادة موقّعة منه، واعداً بالتكلم لصالحهم إلى غبطة البطريرك والأساقفة.

 أما زيارته لنيافة الكردينال "مار نصر الله بطرس صفير" فقد أوضح لغبطته مسيرة الجماعة الحقيقيَّة، فأبدى غبطته إهتماماً لعدد طالبي الترهب الكبير لديهم، مشيراً إنه يُحِبُّ أن يرى شيئاًّ جدِّيّاً للموافقة على تثبيت قوانينهم تحت الإختبار.

2 ً- ولاية سيادة المطران "أنطوان نبيل العنداري" السامي الإحترام النائب البطريركي العام (2000-2001)


أرسلَ غبطة البطريرك "مار نصرالله بطرس صفير" الكلي الطوبى، بواسطة الأسقف الجديد لأبرشية جونيه المطران "أنطوان العنداري"، بلاغاً معرباً فيه عن رضاه الكبير على الشقّ النسكي من روحانيَّة "إخوة الصليب" و"أخوات يسوع المصلوب"، وإستعداده كما الكنيسة جمعاء لتثبيتهم كرهبانيَّتين جديدتين فوراً، إن اكتفيا بالحياة النسكيَّة الأصيلة المتوَفرَة لديهم، لأن الكنيسة المارونيَّة فقدت هذا النمط الضروري والجوهري في الشرق. أما إذا أرادت الجماعة أن تحافظ على شقـَّيها النسكي والرسولي معاً، فذلك يتطلب وقتاً أكثر لإختبار روحانيَّتها الجديدة خاصةً مسألة الدمج هذه. لذا طلبَ غبطته أن يقوم "إخوة الصليب" بتنشئة عند إحدى الرهبانيات العريقة، واختبار مقدرتهم في عيش حياة رهبانيَّة جَدِّيَّة، ولإطمئنان الكنيسة أكثر في متابعة مسيرتهم. لذا أعلن المطران "العنداري" في عظةٍ له أثناء الإحتفال بالقداس الإلهيّ، بدء التنشئة المنشودة في دير "المخلص" للترابيست محدِّداً إيّاها بستّة أشهر رسمية، على أن يُقدّم الأب جوزف فهد في نهايتها تقريراً لمجلس الأساقفة يتوقَّف عليه مصير مسيرة الإخوة والأخوات.

قرار مجلس الأساقفة:
- لا يَرَ غبطته والمجلس مانعاً إذا ما إرتأى أحد الأساقفة أن يتبنّى "إخوة الصليب" و"أخوات يسوع المصلوب"، شرط متابعتهم ومواكبتهم كما يجب ووفق القوانين.
- إنّ فترة الإختبار والتنشئة التي تابعتها الجماعة بناء على توصية مجلس المطارنة، في دير المخلص لآباء الترابيست حول الإنتظام في الحياة الرهبانيّة الديريّة ومستلزماتها كانت إيجابية.
- إنّ سلوك الإخوة والأخوات طيلة هذه الفترة أظهَر أخلاقية روحية مرضية وإيجابية.
- إنَّ مسألة الدمج بين الحياة النسكيَّة والرسوليَّة التي تتمسَّك بها الجماعتين لا تزل عالقة.

3- القطيع الصغير تحت كنف الراعي

المسيرة نحو الإستقرار والتثبيت مع سيادة المطران"بشارة الراعي" السامي الإحترام

شاءت العناية الإلهيَّة أن يتبنّى المطران "الراعي" الجماعتين، وهو الذي صرَّح للأخ المؤسِّس، بأنَّ الذي شجَّعه على قبول الإخوة والأخوات في أبرشيَّته هو طاعتهم وأمانتهم للسلطة الكنسية وتعليمها الرسمي، كما شهادات الأساقفة والآباء الذين رافقوهم عن كثب. وإبتداءً بأبرشية جبيل، وبتشجيع وبركة سيادته الذي طلب بألاّ يرفضوا أية دعوة من الرعايا شرط موافقة الأسقف المحلّي وكاهن الرعيّة، استهلّوا الشهر المريمي سنة 2003 بتكريس قرى لبنان المُمتدَّة من شماله إلى جنوبه وصولاً إلى سوريا لقلب مريم الطاهر.

 وقد عيَّن سيادة المطران "بشارة الراعي" حضرة الأب "حنا خضرا" الراهب الأنطوني مرشداً روحيّاً وقانونياً للإخوة والأخوات، والذي أعاد دراسة القوانين مُنَقِحاً ومُصحِّحاً إيّاها، فقدّمها الى سيادته طالباً تثبيتها، وهذا ماحدث بتاريخ 11 شباط 2008.

وإستجابةً لطلب راهبات "أخوات يسوع المصلوب"، أوكلت الرئاسة العامة للراهبات الأنطونيّات الى الأخت "استير عيد" الفاضلة مسؤولية القيام بالمرافقة الروحية للأخوات.

وقد قدّم أهالي رعيّة مشحلان بموافقة سيادة المطران للأخوات أرضاً مساحتها عشرة آلاف م2، لبناء ديرٍ لهنّ مبدين رغبتهم ببقائهنَ في رعيتهم. وفي 1 أيلول 2006، وبمناسبة عيد مار سمعان العامودي، ترأس المطران الراعي الذبيحة الإلهية، حيث قال: "إنّ عدم التملّك هو ميزة هاتين الجماعتين. ونحن نحترم روحانيَّتهما، ونؤكّد بأنّ الأرض ستبقى بإستعمالهم حتى ولو بعد ألفَي سنة ما دامت الرهبنة قائمة".